القرطبي

159

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : " فول وجهك شطر المسجد الحرام " فيه خمس مسائل : الأولى - قوله تعالى : " فول " أمر " وجهك شطر " أي ناحية " المسجد الحرام " يعني الكعبة ، ولا خلاف في هذا . قيل : حيال البيت كله ، عن ابن عباس . وقال ابن عمر : حيال الميزاب من الكعبة ، قاله ابن عطية . والميزاب : هو قبلة المدينة وأهل الشام ، وهناك قبلة أهل الأندلس . قلت : قد روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي ) . الثانية - قوله تعالى : " شطر المسجد الحرام " الشطر له محامل : يكون الناحية والجهة ، كما في هذه الآية ، وهو ظرف مكان ، كما تقول : تلقاءه وجهته . وانتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول [ به ( 1 ) ] ، وأيضا فإن الفعل واقع فيه . وقال داود بن أبي هند : إن في حرف ابن مسعود " فول وجهك تلقاء المسجد الحرام " . وقال الشاعر ( 2 ) : أقول لام زنباع أقيمي * صدور العيس شطر بني تميم . وقال آخر : وقد أظلكم من شطر ثغركم * هول له ظلم يغشاكم قطعا وقال آخر : ألا من مبلغ عمرا رسولا * وما تغني الرسالة شطر عمرو وشطر الشئ : نصفه ، ومنه الحديث : ( الطهور شطر الايمان ) . ويكون من الأضداد ، يقال : شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه ، وشطر عن كذا إذا أبعد منه وأعرض عنه . فأما الشاطر من الرجال فلانه قد أخذ في نحو غير الاستواء ، وهو الذي أعيا أهله خبثا ، وقد شطر وشطر ( بالضم ) شطارة فيهما . وسئل بعضهم عن الشاطر ، فقال : هو من أخذ في البعد عما نهى الله عنه .

--> ( 1 ) التكملة عن إعراب القرآن للنحاس . ( 2 ) هو أبو زنباع الجذامي ، ( عن اللسان ) .